السبت، فبراير 28، 2009

الرصيف الضيق

اتجهت مسرعة نحو الباب و هي ترد على امها بصوتها اللاهث دوما
- لا تقلقي ساتناول فطوري في المكتب لقد تاخرت
نزلت مسرعة و هي تعرف انها مبكرة في النزول لكن للاحتياط فان لم تجد سيارة اجرة تقلها من باب حيها القديم ستضطر الى المشي مسافة حتى تتمكن من الركوب باي مواصلات عابرة
نزلت على السلالم و هي تلعن الساعة التي ابتاعت بها سيارتها التي لا يمر شهر دون ان تتعطل و تبدا هي بسباق مع الزمن للوصول الى العمل
في باحة البيت سقط شيئ على راسها فارتعشت خوفا و مدت يدها لتلتقط ورقة خضراء
مشت عدة خطوات و التفتت الى الشجرة لتبتسم و تقول لها صباحك سكر
كانت من عاداتها و هي صغيرة ان تلقي التحية على شجرتها المفضلة و تحب ان تعبث باوراقها المتساقطة و تفركها لتشم رائحة الليمون ليدب النشاط بها
لم تلق التحية منذ زمن عليها فقررت الشجرة ان تبدا هي بالسلام و تذكرها ان كاتب التاريخ يقف هنا يراقب مشيتها الصغيرة اينما ذهبت . و يسطر حكايات البوابة القديمة
اكملت طريقها لكنها تريثت بخطواتها حتى لا تنزلق . المطر كان غزيرا الليلة الماضية
و رائحة الارض تستحق ان نتوقف قليلا لنشمها بهدوء
مرت من امام بوابة البيت الحديدية و نظرت الى الشارع
- لم تتغير
و اخذت تفرك الورقة بيدها و تقربها منها كي تشمها
اختزلت الايام بذهابها الى العمل و العودة منه
ما عاد هناك شيئ اخر في حياتها سوى العمل و عندما تتذمر ترد على تذمرها
" انا وحدة بطرانة . هلا الشغل بزهق . مو احسن من القعدة بالبيت لحكي فلانة و علتانة . قديش هلكت للقيت شغل و الله يعين الشباب اللي بتخرجوا و ما بلاقوا . احمدي ربك "
و تمر على القهوة القريبة من البيت لتشم رائحة القهوة المعدة ها هو حسان مازال جالسا منذ زمن يمسك بالصحيفة ليبحث عن عمل . هو هكذا منذ خمسة سنوات الى ان احبط و عمل سائقا لاحد المطاعم السريعة
تخرج من الجامعة - بكالوريوس ادارة اعمال - بتقدير ممتاز
هه
و ماذا جنى غير البحث طوال تلك الايام من بعد حفلة التخرج ا لى الان على مكتب يجلس عليه و يمسك بيده القلم ليقول انا موظف ؟؟؟
و تزوج و انجب و هو مازال يبحث عن عمل
مكافح هذا الحسان لم ييأس بعد و مازال يحافظ على اناقته المعتادة
و لفت نظرها الكرسي المدد على الرصيف الاخر
كان ابو عمر يجلس وحيدا هذا الصباح امام محل الخضرة اين ابو علي عنه يا ترى ؟
ورات الاخير يجلس لوحده و الاثنان بجلستهما الرمزية يدير كل منهما ظهره الى الاخر
" حلو كتير وصلت الحرب الطائفية لحارتنا " ابتسمت و هي تتذكر صراخهما و هما يلعبان الطاولة منذ صغرها و ابو علي يقول : يا ابو عمر انت ما بتعرف تلعب
و يعقب ابو عمر: دوش يا عزيزي خليك بالحكي و انا بغلبك دايما .
و الان ابو علي و ابو عمر لا طاولة بينهما . و لا نرد
و عند الزاوية غرزت قدمها في الوحل " يخرب بيتك لهلا عايشة ما حدا طمرك "
هذه الحفرة دوما التي تمسك دوما بقدمها . سحبت حذاءها بخفة و ضربت الارض بتلقائية غجرية تبدا رقصتها مع القمر على الحان جيتار مفقود .
توقفت قليلا الى ان اعتدلت و نظرت الى الاعلى . هي نفس النافذة و نفس الزجاج الملون
كان هنا يعيش حب في الافق
كانت في السابعة عشرة من عمرها كلما تمر من هنا ترفع راسها كانها تنتظر وحيا من السماء لتراه يحتسي القهوة و ينفث دخان سيجارته . كغيمة حبلى لن تلد شيئا
هو كان حبها الاول
نظرت اليه و قالت له صباح الخير و ردها بابتسامة عذبة
اعلنت الحب عليه و قررت ان تتفق مواعيد قهوته الصباحية مع موعد نزولها من البيت
كان يدرس الطب في السنة الاخيرة و الكل في الحي يناديه بالدكتور
و ظلت ترسم بمخيلتها الضيقة لفتاة مراهقة كيف ينظر اليها و كيف يرد عليها التحية الى ان ناداها مرة و قال لها :
انت جميلة هذا الصباح
اما زلت تتارجحين على الليمونة العتيقة
احست ان قلبها سيقفز من مكانه و احمرت وجنتاها
بالمناسبة
قولي لاختك انني سانتظرها مهما دار الزمن و مهما رفضت
و اذا كانت هي مهندسة فانا دكتور و ابتسم و عاد يرشف قهوته
دارت بها الدنيا
احست بشعور غريب -كان ها امراة عارية على الطريق العام
شعرت ببرودة في جميع اطرافها
و استمرت بالمشي
يحب اختها التي كانت تكبرها بسبعة اعوام و في مثل عمره تقريبا
عادت خائبة الامل الى المنزل و تتذكر حينها انها بكت قهرا لانها اضاعت صباحاتها لتتخيل زهرة كان يرسمها في الهواء بدخانه

تقدم لخطبة اختها و لكن لم تقبل به
و ذهب ليتخصص بجراحة القلب في الخارج
عله اختار هذا التخصص ليداوي قلبه و عاد و في يده زوجته الاجنبية
كانت مراهقة جميلة

بعض الامور التي تمر بنا و نعتقد انها لن تمر يانتي شبح من بعيد لينتشلها من اعماق البئر و يخرجها لتمر امامنا و نضحك عليها احيانا و نبكي احيانا اخرى

ماذا حل بي هذا الصباح ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

كل هذا من ورقة الليمون التي سقطت

الى ان اصل الى نهاية الشارع ساكون عدت بالذاكرة الى بطن امي
التفتت الى ان رات الفتاة الصغيرة التي تجلس بقرب الحاوية
" اهلا هي كمان هاي بالتوريث "
كانت امها من قبلها تجلس هنا و هي ورثت عن امها المهنة
ابن الدكتور بطلع دكتور و ابن المهندس ... مهندس
و ابن المعتر بضل معتر
اقتربت منها و سالتها ماذا تفعل و لم ليست على منضدة المدرسة
فقالت ان امها شعرت بوعكة فنزلت لتاخذ مكانها
لانها تخاف ان يسرق الرصيف منها من قبل شحاذ اخر
ان تغيبت يوما عنه ؟

" هذا الحي القديم الذي تمتهن جدرانه الجنون . ترى على ارصفته الحياة بكل انواعها
المجن و الطهارة بينهما جدار ارق من ورقة بيضاء يكتب كل من اراد عليها تاريخا لا تراه الا عندما تدقق النظر
و ترى هناك فقرا و غنى بتفاوته تعتقد ان السماء تمطر على احد الارصفة و تتعنت الغيمات على ارصفة اخرى فتحرم ساكنيها لذة المطر
و هناك اخوة لا يرون بعضهم الا صدفة فيشيح كل منهما بنظره عن الاخر لحديث بين زوجاتهم اسفر عن قطيعة
و ترى ايثارا و تضحية بين رجلين لم يلتقييا الا قريبا جمعهما حب النرد على طاولة صدات مساميرها "

في هذا الحي وطن مصغر تعيش يومياته بفتور و ملل و عند توقفك للحظة لتنصت الى الشارع بين الارصفة سترى هناك ما هو اكبر من الرصيف الضيق الذي اعتدت المرور عليه غير آبه "

صباح الخير يا وطني

توقفت عند عند مفترق الطريق و نظرت الى ساعتها
يااااااااااااااااااااااه طريق ياخذ رواده 10 دقائق فقط لقطعه سرق مني نصف ساعة
نظرت خلفها
بدا المظهر لها معتادا الا انها شعرت بتواطئ خفي بينها و بين ذلك الرصيف و عادت ادراجها الى البيت
تود فقط ان تشرب القهوة الصباحية مع فلانة و تسمع اخبار النميمة من علتانة و تجلس بجانب شجرة الليمون
و انتبهت فجاة الى الورقة التي بيدها و قد طحنتها دون ان تنتبه حتى اخضرت اطراف اصابعها
قربتها قليلا من انفها فشمت رائحة افتقدتها منذ زمن
- و خاطبتها " خصم يوم و بهدلة من المدير الانيق . كله منك "
و مشت باتجاه البوابة الحديدة لتجد ان ابو علي و ابو عمر اعادا النظر و اقتنعا ان صداقتهما امتدت الى ابعد من زمن اي دين و طائفة
الى ما قبل ظهور الخوارج حتى
و عادا الى الطاولة المدورة و التف بعض الفتية حولهم
سمعت صوتهما و هما يتبادلان الشتائم و المزاح و القهقهة
- حبستك يا عزيزي فرجيني هلا شطارتك
- ولك سد الغلب اللي عليك بالاول و بعدين احكي
- دووووووووووووووووش
ضحكت من اثر كلمة دوش المدوية في ارجاء المكان
و فتحت الباب
- ليش رجعت ؟
- لاشرب القهوة معك . من زمان ما حكينا ..... شو اخبار الحي ؟ شو اخبار ام ..........................











في تلك الشوارع القديمة


قصص حائرة


تنتظر الحكواتي ليلقي بها الى اذنك


اسمعها


علها تمر بالروح


و تشعل تلك الشمعة


و يكون هناك جدل


هناك 10 تعليقات:

خالد السعود يقول...

صباح الخير الك والرصيف الضيق ..
جميل يا جفرا ..

jafra يقول...

صباح النور
الاجمل ان تكون دوما هنا

Che_wildwing يقول...

رصيف
وأشجار
ومطر
شيشة ونرد وصحبة
واللغو المبعثر من الصباح وحتى الصباح
خطى متعثرة
وذكرى عالقة
وصبح عتيق
....
أبدعتى

jafra يقول...

che
في تلك الارصفة الضيقة اكثر و اكثر
لكن تاخذنا الايام
و لا تسعفنى الدكرى
الا في بعض الاوقات
سعدت بوجودك

ليلى فى عالم ادم يقول...

اد ايه اسلوبك جميل واخاذ
انت موهوبة حقيقى

تحياتى ليكى وشكرا على مرورك فى مدونتى وياريت تكررى الزيارة

jafra يقول...

ليلى وجودك هنا اسعدني
اكيد لي عودة لمعرفة اخبار الجمعة :)

Che_wildwing يقول...

أنا جيت أقرا تاني
بجد عاجبانى جدا
تسلم الايادي

jafra يقول...

بتشرف باي وقت و لا يهمك
بس المرة الجاية القهوة عليك
تحية

jumana يقول...

عنجد اندمجت وأنا عم بقرأ ... إنت لازم تكوني مخرجة :)

لأن و أنا عم اقرأ حسيت حالي عم أحضر حلقة من مسلسل أهل الغرام !
بحب اجي على موقعك، عنجد برتاح :))

موضوع كتيير حلو بدنا كمان ؛)

jafra يقول...

جمانة كيفك ؟
يا ويلي مخرجة مرة وحدة ؟
و أهل الغرام ؟ على فكرة انا كتير بحب هدا المسلسل :)
كلك زوء و شكرا الك
و كتير بكون مبسوطة بزيارتك هون