السبت، أغسطس 29، 2009

أبو وطن



انطلق في الصباح الباكر كما كلفه السيد المسؤل -س- من كبار ضباط المخابرات في البلد . البلد تلك التي تقع على ناصية العالم المؤمن بالديموقراطية و لا يطبقها . احد البلدان التي نعيش بها يومنا لكن ما يميزها كثرة ضباطها و مخبريها .

انطلق و هو يرتدي زيه المدني في اتجاه غير معلوم بالنسبة له . فقد قالوا له انك ستركب الحافلة و تصل الى القطار و تركبه باتجاه البلدة الفلانية ثم عند الوصول ستجد هناك مواصلات عدة للقرية التي تقصدها

و لم يتوقع ان الحمير و الحناطير هي مازالت تعتمد في بلاده كوسيلة مواصلات رسمية تقيد مصروفاتها بالتقريرو تعتمد

و هو راكب الحنطور الصغير و يسد انفه من الرائحة التي يبعثها الحمار . شيئ طبيعي رائحة الحمار فهو استجابة لنداء الطبيعة لا يستطيع احد حتى الضابط المسؤول منعه من تادية الحمار هذا الواجب الطبيعي .

مناظر الطبيعة التي لم يتعود عليها ابن المدينة . الاشجار المتعانقة و بقعة متماوجه من الاخضرار الذي يمتد و تخمن انها لن تنتهي

و اشعة الشمس التي تسلم بكفها على العشب و جداول الماء و الينابيع كل هذه المناظر لم يرها ابدا و لم يعرف بوجودها على ارض البلاد . ما خطر على باله سؤال واحد :


ما دمنا بلادا زراعية لم ترتفع الاسعار عندنا و نشكو دوما من قلة الانتاج ؟


لم يسترسل بافكاره الا و قاطعه صوت سائق الحنطور :


- لوين رايح البيك ؟

( البيك عجبته و نفخ صدره . لم يتوقع ان يناديه احد ما يا بيك . الفقراء هم من يصنعون البيك و يمجدونه . هم وحدهم القادرون على جعله بيك كما جعلوا الاخرين ايضا بكوات و بشوات . لم يظن ان تلك القافية من الكلمات لها وقع بالنفس جميل . وود لو انه يخاطب السائق اكثر ليسمع تلك الكلمة اكثر بيــــــــــــك )


- زيارة .


- لبيت مين ؟


- بلا كترة اسئلة و سوق انت و دير بالك من الطريق .


لم يتوقع ان يكون اصلا هناك اناس يقطنون هناك - لا كهرباء و لا ماء و لا اسطح يغزوها الستلايت و اراد ان يقطع الرحلة من منتصفها للعودة و للقول للمسؤول انه لا يوجد احد يسكن القرية نفسها . و ان الدكتور المطلوب ليس له وجود . لكن لو ان احدا ما يتبعه و كشف كذبته

في بلادنا يكون خلف المواطن رجل مخابرات يراقب عمله رجال أُخر حتى نستطيع القضاء على البطالة و الحفاظ على هيبة الحكومة .

وصل الى القرية و الشمس تميل الى الغياب .

سال عن المطلوب - انا جاي لزيارة الدكتور محمود بتعرفوا ؟

و اجاب اغلب اهل القرية انهم لم يروا دكتورا ابدا بحياتهم و ان كان بحاجة لعلاج يستطيع الذهاب الى حلاق القرية .

تبا ايعيش اناس بهذه العقلية المتخلفة الى الان . لازمهم حرق و رح اكتب بالتقرير انهم ما تعاونوا معي ابدا .

التقى ببائع الخضرة الذي نفى ان يكون هناك دكتور باسم محمود لكن من الممكن ان تجد الكندرجي محمود و ذهب اليه ليتاكد من شخصه و لم تتطابق الصورة مع شكل الكندرجي و هكذا قضى بقية نهاره و ليله بين محمود الكندرجي لمحمود بياع الفول لمحمود الفلاح الى محمود و محمود اخر

لكنه لم يجد من يبحث عنه و لعن القرية و المسؤول الف مرة . اين سيقضي ليلته و اضطر لدفع مبلغ من المال زهيد جدا لصاحب احد البيوت لقاء نومه عنده في غرفة ضيقة بلا منفس و على فرشة من الممكن ان الحمار الذي اوصله قد نام عليها من قبل

بعد ان وعده صاحب الضيافة على ان يعرفه على رجل قد يدله على ذلك الدكتور الذي يريده

- ما الك يا عمي غير ابو وطن . هادا زلمة فهمان وشو بدك انو بلم زبالة او منظروا هيك يعني مش ولا بد بس هو اللي يخدمك . ما هو اللي بلم زبالة البيوت بيعرف مين ساكن فيها و ما الك غيروا لو قلك ما في يعني ما في و من طلعة الضو رح اسحبك عندو

- و شو بعمل هادا ابو وطن يعني وين ساكن . وين ولادوا

- ما الو بيت و لا ولاد


- اسمو ابو وطن

- هادا يا عمي سموه اهلنا ابو وطن لانو ما بتحرك الا بقول حي على الوطن و بظل يفهمنا انو لازم نحافظ على الوطن

لهيك بلم زبالة القرية كلها و بقعد يوزع فيها و يرتبها و يتخلص منها بطريقتوا بكرا بتشوف


و من محمود الخضرجي سمع

- هادا ما الو ولاد بس سميناه ابو وطن لانو يا عمي بموت بهالارض . انا ابني لما اجا يسافر و يهاجر بس قعد مع ابو وطن ساعة لفلوا راسوا و قعدوا

- كيف ؟

- اها سالتني كيف ... حكالوا لو انو الفلاحين كلهم راحوا و هاجروا للمدينة مين اللي بدو يزرع الارض

قالوا انو الفلاح اهم من البيك لانو بدون الفلاح البيك بموت من الجوع . و اقنعوا يتعلم ليصير فلاح و بيك و هينا بلشانين بتعليموا بمدرسة القرية القريبة


و قالت له ام سلمان خياطة القرية : ابو وطن هو في زيو لابو وطن . بحب هالارض و الا ليش سميناه ابو وطن بس هو لو يرد علي لاجوزوا و يخلفلوا ولد بس مو راضي


- ليش مو راضي

- لانو ابو وطن ما بدو خلفتوا تكون عالة على الوطن . بقول انو ولاد القرية كلهم ولادوا و بقعد يعلم فيهم و ينورهم


-ايمتى رح يشرف ابو وطن

- رح يطل اليوم اصلا لازم ييجي لانو ولاد القرية بدهم ياخدوا رايوا بهالمصيبة

- اي مصيبة ؟

- هذول اللي اجروا بيت المختار صبايا يا دوبهن لابسات و ولاد دايما سكرانين . و الله امبارح لولا ستر الله كان راحت بقرة دار ابو العباس تحت سيارتهم و ماتت و صار ابو عباس وولادوا يسفوا التراب ان داري من وين هالبلاوي بتيجينا . معهم سيارة سودا حاطين على شبابيكها قماش قال مغطيين الشبابيك و تاركين نسوانهم بلا اواعي اتفو على الزلم .



- قال لها بصوت منخفض : اسمعي يختي انا ما بدي اخوفك هدول بيجوا يومين ينبسطوا و يتفرجوا على القرية يتسلوا بلا ما تضايقوهم و الله بحرقوا القرية باللي فيها اي احنا اصلا ما سمعنا عنكم و لا عن قريتكم قبل هيك



- هيو ابو وطن اجا .


- وينو ؟هادا اللي جاي علينا . نظر اليه بدقة يريد ان يتفحص رجلا يعمل بالقمامة لكن يُجمِع اهل القرية انه اكثر الفهمانين بها و حلال مشاكلهم اكثر من مختارهم . رجل في السبعين من العمر .


و صاح فجأة : يخرب بيتكم هادا هو الدكتور


كيف يكون وجوده في هذه القرية خطرا على امن الوطن ؟
و تأكد ان هناك قضية تحتاج الى تلفيق فرتبت لابو وطن على مقاسه و على حسب تاريخه .




نظر ابو وطن اليه من تحت النظارة . و عرف انه آتٍ له . لم تختلف اشكالهم عن اخر مرة اعتقلوه فيها . وو ضعوه بالسجن لعشرات السنين و اهدروا عمره و عندما انتهوا منه رموه لاقرب مزبلة . يريده باسمه الذي نسيه من اول ما وطئت قدمه هذه القرية


تجمد في مكانه فجاة


نادى عليه : لا تتحرك انت موقوف


- لن اتحرك من هنا ابدا و لن اعود اليكم مرة اخرى


و اذا بصوت سيارة ات من بعيد كصوت البرق الاول الذي تشعر به يهز كل المكان و ما ان فتح عينيه حتى وجد الناس تتراكض باتجاه ابو وطن


- دعسوا ولاد الحرام دعسوا لابو وطن


ركض باتجاه الناس و قال لهم


- ولكم هذا الدكتور محمود مش ابو زفت هادا هارب من العدالة الضابط قالي انو بهدد امن الوطن و كان يدرس بالجامعة هاتوا ميت او حي المهم اني رجعت فيه


وقف اهل القرية بوجهه


لم يتنازلوا عنه حتى لو ميتا و دفنوه في باحة مسجد القرية


- قرية جاهلة الحكومة بتقول عنو كافر و انتو بتدفنوا بالمسجد


قالت ام سلمان : لو كان الكفر زي ابو وطن يا ريت حكومتك كمان تكفر و تصير زيو بلكن بصير النا وطن



عاد الى المدينة و كتب كل شاردة وواردة و التقط صورا للقبر و قدمها بالتقرير



الضابط : و مين اللي دعسوا


المخبر : ابن فلان بيك كانوا نازلين يصيفوا بالقرية

الضابط : و الله انو ابو بطل بس ما توقعت انو ابنوا يطلع بطل

المخبر : بس يا سيدي هادا ما كان يعرفوا اصلا هو كان سكران و.......

الضابط : اخرس انت مو عارف عن مين بتحكي انا بقول بطل و انهى على الفتنة اللي كان بقوم فيها الدكتور الكافر الخائن يعني بطل المخبر : امرك سيدي

______________


جرائد صبيحة اليوم التالي او الذي بعده


و قد تم القضاء على بؤرة الخيانه التي كان يقودها الدكتور محمود في قرية على اطراف الوطن و بيد احد ابناء ابطال هذا الوطن


و صورة ابن فلان بيك يقف بجانب سين بيك و ابوه كمان بيك


_________________



اهل القرية مازالوا ينتهجون طريق ابو وطن . ابن الخضرجي حل محله في جمع القمامة و توعية القرية


______________


المخبر صار ملازم او عريف المهم انو ترقى و صار حارس امين للبطل ابن فلان بيك
و تأكد ان ابو وطن مات و هو يحلم بشقفة وطن . فتحققت امنيته - في قبر - في اقصى وطن ما

________________


و ... مجرد محاولة


و تصبحون على وطن

هناك 9 تعليقات:

مسرور يقول...

في بلاد تحكمها الخفافيش

الشرفاء لا يملكون قبورهم

عندما تعلق صور اللصوص على
الجدران لابد تدفن الكرامة حيّة

القصة حلوة(:
رغم مرارتها):

الله يرحم ابو وطن

تحياتي لك

ياسمين..وثلجٌ أبيض يقول...

اييييييه والحبل عالجرار
في من هالماركة كتير يا جفرا

الله يعين الوطن
ويكتر من امثال ابو وطن

jafra يقول...

مسرور
بالفعل هناك الكثيرون ممن يدفنون احياء
و لا نعرفهم و لم نسمع عنهم
من الممكن انهم مروا يوما بجانبنا
و ذهبوا
الله يرحمنا جميعا

شكرا لمتابعتك لي
كن بخير

jafra يقول...

ياسمين متل ما قلتي من هالماركة كتير بس للاسف ماركة مين ؟ ما اظن ابو وطن

و الله يعين هالوطن

:) تحية

ياسمين..وثلجٌ أبيض يقول...

اكيد ماركة هالمخبر

(:

وصباحك وطن

syriangavroche يقول...

رائعة جداً جداً... من أجمل ما قرأت مؤخراً


تحيتي :)

jafra يقول...

ياسين : شكرا لاطرائك
اسعدتني متابعتك لخربشاتي المتواضعة :)

حسام كراسنه يقول...

رحمة الله على أبو وطن، ورحمة الله على كل شخص أبو وطن في بلاده

قصة رائعة لما لها من جزء مخفي :)

jafra يقول...

حسام اسعدني وجودك بين خربشاتي المتواضعة
و متل ما قلت :
ورحمة الله على كل شخص أبو وطن في بلاده

ما بنطلب غير الرحمة