اتذكر انني قرات رواية البؤساء في الثانية عشرة من العمر و تلتها رواية احدب نوتردام . كنت اتسلل الى كتب يحتفظ بها احد اخوالي لاسرق الكتاب بنية طيبة و اعيده الى مكانه
فالكتب المكدسة فوق بعضها البعض كانت تخفي ما نقص منها و تعطي جرمي الصغير وقته الى ان اعيد الكتاب احيانا امام ناظر مالكها
تذكرت هذا كله عند قراءتي بالامس لرجال في الشمس
تذكرت كيف اقتنيت المجموعة الكاملة لغسان كنفاني من مكتبة الامل في اربد حيث كنت " اتمون" بالكتب قبل عودتي
لم استطع للان ان اتاقلم مع اي مكتبة بعدها و منذ ذلك الوقت لم اعد اشعر بلذة عند دخولي اي مكتبة
اخذت الكتاب من يد البائع بعد صراع مرير على سعره بعدما انفقت كل ما املك من اموال السفر في شراء الكتب و تغليفها ووضعها في صندوق لشحنها
مر الوقت و انا غارقة بالبحث عن عمل و غارقة اكثر بالاخبار التي تتالت عن الانتفاضة و حصار المقاطعة و اخيرا كنيسة المهد
تناولت احد الكتب عن الرف و مسحته بمنديل و انا انظر الى التلفاز و قد امتلات الشاشة بالمحلليين السياسيين و لكنها خلت من الحلول الحقيقة
فتحت الكتاب تنقل شاشة التلفاز الينا صورا من خارج سور الكنيسة و بدات بالقراءة تارة و انا اتخيل ابو قيس المسكين الذي شاب و هو ينتظر الحل و تارة اخرى و انا ارى ان الجيش لم يرحم احدا حتى الرهبان تم تفتيش سيارتهم قبل دخول الكنيسة
و مرة اخرى مع اسعد و هو يهز ابو قيس و اهتزت الكنيسة باول ضربة و نداءات الاستغاثة
و تعاطفت مع مروان و كانت الشاشة تكتب ان المحتجزين الثلاثة عشر داخل الكنيسة مازالوا بخير
و الرجل السمين في البصرة كان يعرف انه ياخذ المال مقابل ايصال الرجال لكن الى اين ؟ هل حقا الى الكويت ام الى الموت في الصحراء ؟
و اطل ابو الخيزران بصفاته الجسدية المكتوبة و اسنانه ناصعة البياض .كنت منذ صغري اكره هذا الرجل و اتخيل شكله بطريقة بشعة و غير محتملة و التلفاز يعلن عن اتفاق هدنة و نتيجته ابعاد المقاومين المحتمين في الكنيسة و بعدها تم فك الحصار عن المقاطعة و ابو الخيزران كان يصيح في نهاية الرواية
لماذا لم تقرعوا جدران الخزان
لماذا لم تدقوا جدران الخزان
ماتوا الثلاثة
و تم ترحيل الثلاثة عشر الى دول مختلفة
ترافق الحدث المؤلم مع كل الالم الذي احس به بعد قراءتي لهذه الرواية . و تابعت النظر الى الصفحة البيضاء التي تفصل رواية عن اخرى و حاولت ان اتجاهل لربع ساعة تلك الصرخات التي دوت في راسي كانفجار
اصوات متداخلة لكن كان صوت ابو الخيزران اعلاها
لماذا لم تقرعوا جدران الخزان ؟
عندما أعدت قراءة رجال تحت الشمس لغسان كنفاني للمرة الالف ( لانني قراتها و قرات لي و قصت لي مرات لا تحصى) بالامس شعرت بتلك الغصة التي تصاحبني دوما في قراءتها و جفاف في الحلق و مرارة
لكن لم يكن ابو الخيزران بشعا ككل مرة . لا ادري و لكن ربما مع الانخراط في العمل و الحياة وجدت الافا من امثال ابو الخيزران و لم يكونوا بشعين الى هذا الحد لكنني ما زلت امقت ابو الخيزران و ما زلت امقت اشباهه . مع ان الحياة تحتاجهم لتكتمل صورة الانسان لا الاله
و للان اسال ذات السؤال
لماذا لم يقرعوا جدران الخزان لم لم يحاول احدهم ان يصرخ ان يخرج
لم ماتوا هذه الميتة
هل عودتهم الحياة على الصبر الى هذه الدرجة ؟ و انها ستفرج
الى متى ؟
احيانا لا يقودنا الصبر الى الفرج
بل يقودنا الى الموت
.
.
.
لماذا لم نقرع - تقرع - يقرعوا - جدران الخزان
نحن لسنا بحاجة للصبر
نحن بحاجة لقرع جدران الخزان
الرواية - رجال في الشمس - لغسان كنفاني - الاعمال الكاملة -







